نافذة الجسد.
قصة.
ثلاث نساء في يد كل منهن ورقة ,يقفن في صف واحد أمام منضدة تسد الطريق الى غرفة يجلس عندها رجل متوسط العمر غليظ القسمات يتكلم بلهجة خشنة مرتديا زيا عسكريا، موجها النساء أن يلزمن الصمت في الداخل وأن يحرصن على تأديةالمطلوب بدقة وبدون زيادة .
دقَّ جرسٌ معلنا بدء العمل ,وجاءت اشارة الرجل الى المرأة الأولى للدخول هناك.
دفع المنضدة وأخرج مفتاحا من الدرج وفتح الباب وهو يترك مجالا لدخولها ثم عاد فاغلقها .
وقفت المرأة وسط الغرفة وقد تسمرت قدماها ,كانت الغرفة خالية ,لا أحد ! استدارت نحو الباب وأخذت تطرق وتطرق لم يفتحه ,كان الصمت عميقا وفجأة انطفأ الضوء وحلت الظلمة بالمكان،فكان صراخها عاليا ثم صمتت فجأة.
كانت المرأتان في الخارج ولم يحصل أن وصل اليهما ماحدث للأولى,فأشار للمرأة الثانية لتدخل وفعل مافعل مع الأولى .
تأملت المرأة المكان بهدوء تلفتت تنظر الى كل ماموجود في الغرفة , أثاث وتحف ثم لوحات تم تثبيتها على الحائط متقاربة جدا ! انتبهت الى وجود نافذة ,لكن حلَّ الظلام الدامس فجأة , شعرت بأنها تختنق , حاولت التنفس .. الصراخ لم تستطع فهوت على الأرض , وحلَّ الصمت .
لم يصل شيء مما حدث الى الخارج,فكانت المرأة الثالثة تقف وقد ظهر عليها بعض التساؤل والخوف فقالت: لم تخرج أي منهما , ماالسبب؟
رفع نظره اليها باستخفاف قائلا: من هما؟ لم يدخل أحد .
قالت مندهشة: ماذا تقول ؟ دخلت المرأتان قبل قليل!
قال: لا أحد في الداخل , ولايوجد غيرك هنا .
صمتت قليلا ثم قالت: أظن انني سأذهب ,لا أريد لقاء أحد.
قال: بل ستدخلين الان ولاداعي للخوف يبدو أنك متعبة من الإنتظار,تحرك فاسحاً لها المجال للمرور ,وفعل مافعل من قبل.
دخلت متلهفة الى طريق هروب فقد شعرت بأنها في مصيدة ,كان حظها ربما أفضل من السابقات فهي على حذر الآن , لم ترَ أي شيء غير النافذة التي هرولت اليها لتفتحها بسرعة ,وحلَّ الظلام لكن الضوء بقيَّ منسابا الى الغرفة , والتفتت لترى رجلا يجلس في زاوية ينظر اليها مبتسما .
قالت: عجباَ لم أُدرك أنك موجود !
قال: لابأس تعالي اجلسي واهدأي.
قالت: دخلت قبلي اثنتان ,ماالذي حدث لهما؟
قال: بل أنتِ فقط من دخلت لثلاث مرات .
قالت: لا .. غير ممكن ,لم أفهم..!
قال: عزيزتي ,اتعبوك كثيرا هؤلاء الاغبياء وكم حاولتُ اخراجكِ من هناك لأنني أعلم أنك بخير و فقط تحتاجين بعض الرحمة وكثيرا من الحب , كنتِ مريضة في مصح نفسي وشفيتِ ,وأعدتكِ الان الى بيتكِ .
كل يوم أنتظرك لتأتين باحثة عني كما اردتُ أن تكوني بطلتي في القصة.ها.. مارأيك؟
قالت: أنا , حقا؟ وهل سيهتمُ لقصتي أحد ما؟
قال: حين اكتبها كما ستروين ستكون مهمة جدا ,على الاقل بالنسبة الي.
قالت: وكيف عرفتني؟
قال: أعرفك جيدا , فأرجو أن تطمئني لي , لايوجد أحد , أنا فقط بانتظارك , أنت خائفة وتحاولين في كل مرة ترتيب أفكاركِ , إنك ذكية وقوية رغم ما حصل لك من أمرصعب وغريب.
قالت : لكنّ ذاك الرجل في الخارج مريب وكريه.
قال: لا أحد هناك صدقيني ,خوفكِ فقط هو مايجعلكِ ترين مارأيتِ، قومي معي ,هيا.
"سار بقربها وهو يمسك بيدها ويفتح الباب لترى أن لا أحد هناك ,انها غرفتهُ فقط وصالة يتوسطها أثاث جميل."
قالت: غريب, لم أرَ هذا من قبل.
قال مبتسما : أنت جارتي , ولقد اهتممتُ بك طوال شهور ,كوني بخير .اجلسي بقربي ولنتذكر معا كل ماحدث بلاخوف لأنك الآن بأمان معي وسأحرص على أن تكوني سعيدة ولن يعكر صفو حياتكِ شيء, أنت جزء مني اتفقنا ؟
كان صوتهُ دافئا فشعرتْ بالهدوء وصارت تنظر اليه متفحصةً ملامحهُ ,قالت بعد أن تنهدتْ: أَتَذَّكر ! أعطني نقطة بداية لأتذكر منها لأنها دائرة . إن كنتَ تعرفني حقا فأنا مدرسة رياضيات وكل ماحولي أراه وأعيشه يأخذ أشكالا هندسية ومعادلات ومنطق (توقفت عند هذه الكلمة) أو غير المنطق الذي أخذني الى المصح!
قال: إنك امرأة رائعة وذات عقل غريب بقوته وكل من في المصحة كان مندهشا بك. سنبدأ حين جئتُ وسكنتُ بقربكم وكنت أراكِ في كل يوم تذهبين للعمل متألقة جميلة كملكة متوجة ببهاء الوجه وقوة المنطق ياااه كم كنت أحب التكلم معك.هل انتبهت يوما اليّ؟
قالت: لا, لم أكن أنظر الى أحد ..فلا داعي لذلك لم أُخلق لأنتبه الى نظرة إعجاب أو حب .
قال: من حق وغريزة كل إنسان أن يبحث عن مُكمل له.
قالت: إلا أنا .
قال: كيف كنت تتقنين الصمت و أمك في الفراش بلا حراك لسنين ؟ إنه لشيء عجيب !
نزلت دموعها وهي تقول : ماتت .
قال: لكنك بقيتِ بعدها تملؤكِ الحياة , ماالذي جعلك تفكرين بالإنتهاء معها؟
قالت: الظلمة.
قال: أي ظلمة؟
قالت: شيء ما كان في داخلي أنظر الى العالم كله منه مصدره أمي ..حين رحلتْ صرتُ أعيش بلا نور, فقط ظلام دامس.
قال: غير صحيح , انتِ كنتِ نورها ياعزيزتي والنور لايرحل مع الموت.
قالت: ومن يبدأ أولا النور أم الظلمة؟
استغرب سؤالها ,صمت قليلا ثم قال: لقد دخلتِ الغرفة وكانت مظلمة وفتحت النافذة فدخل الضوء منيرا المكان , أين رحلت الظلمة ؟ لاوجود للظلام إنما فقط غاب النور وهكذا الحال عند الموت يبقى النور مع الأحياء ويرحل الأموات الى رقادهم.
سكتت , واطرقت براسها .
قالت: أنت مثلهم لن تصدق أنني أنزل هناك حيث هي ونتحادث فاكتسب منها نورا وراحة لأعود بخير الى مكاني.
قال: بل أصدق , تحدثي فقط إني أصدق كل ماتقولين قبل أن أسمعه,ولايهمني العالم كله , أنت حبيبتي.
رفعت عيناها بصعوبة اليه وقد اغرورقت بالدموع والحسرة .
أكملَ : ثقي بي .
قالت: هل تعلم أنّ الحياة مسرحا مقيتا يتراقصون عليه حتى يتحطم بهم فيكره وجودهم ويطردهم لتبتلعهم الأرض .
قال: هل تظنين أن العالم مكان قبيح ؟
قالت: أجل , كل شيء أسود ,حزين , موت قتل ,جوع ,حرمان ,فراق ,ماذا بعد ألا تشاركني بالعدّ؟
قال: حين تزهو نفسك ترين كل شيء جميل بل رائع وتطلقين العنان لروحك للحياة والرقص . في كل شيء ياعزيزتي نجد الموجود واللاموجود , لاتوجد ظلمة لكن النور يغيب ,لايوجد كره لكن الحب يغيب ,ولايوجد ظلم لكن الرحمة تغيب , لايوجد قبح لكن الجمال يغيب ,لايوجد موت لكن الحياة تغيب,لايموت الزرع ولكن الساقي مهمل , العالم يسير هكذا , الحياة جميلة وانت بقربي ومااقبحها ببُعدك. جلوسك لساعات ضاعت من عمرك في زيارات للقبر لاتلغي حياة تركتها أمك مجبرة .استعيدي حياتك معي .
قالت: نعم والحزن لاوجود له لكن الفرح غاب ورحل. أنام منذ سنين ولا أرى غير الاحزان تحيط بي مالكة أمري تمتص من رحيقي فلاتُبقي لروحي طاقة الا استنفذتها ،مستبدة، وكأنني خلقت من أحزان وليس من طين هل هوغياب العدل ! تفسيرك جميل ومنطقي .سأخبرك شيئا, حاولت الهرب بعد رحيل أمي لكنني اصطدمت بجدران كثيرة بعضها حيرتي..
ما أفعل ؟ ماهي وجهتي؟ لم أر واجهة حلوة تدعوني اليها ,فكنت أتلفت لأرى فراش أمي ..أحزان عمر انقضى تقف بحب عند قدمي تواسيني وتساعدني على ارتداء ملابسي وابتلاع طعامي ,لقد تولت رعايتي ,كنت أرى أمي معها تهتم بي خطوة خطوة , أسرحُ أحيانا هاربة منها لأعيش في الوهم وَهمُ الفرح حين أصوغه لنفسي كسراب في صحراء قد يُقنع المشرف على الموت بالأمل قليلا قبل الموت. وهكذا شيئا فشيئا دخلت في الصمت بلاشيء لاحزن ولافرح, سكون يحفظ لي بعضاً من ذاتي, هم ظنوا أنني جننت ,لكنني اخترت ببساطة أن أمتنع عن الحياة أو الموت فلا فرق بينهما عندي.
أحتاج الى بعض النور بين حين وآخر فكنت أدخل القبر و أحادث أمي بما كنت أسمعه منها في طفولتي وصباي فأسعد بجوابها الذي كنت أحفظه لان عندي ذاكرة جيدة. هذا كل ماحدث , تركتهم يصوغون لي مرضا وعلل واشكال جنون وفصام لكنني كنت أعلم من أنا ,دخلت حيزا لن يملكه غيري لا معادلاتك في الموجود واللاموجود, هل لك أن تقيس حالتي بشيء؟
قال: كنت أزورك وأجلس معك , هل كنت تعلمين ؟
قالت: كنت أبكي فقط عدم وجودي حين رؤيتك.
قال: أحبك.
صمتت.وتركت رأسها ينساب على صدره , ونامت بهدوء وارتسمت بسمة حزينة على شفتيها.
.
.
ابتهال الخياط